المقريزي

192

المقفى الكبير

الكرك . فلم يزل على نيابتها إلى أن قبض السلطان على الأمير بكتمر الجوكندار نائب السلطنة وبعثه ليسجن بالكرك . [ ف ] خاف من أيتمش أن يتّفق معه . فإنّه كان خوشداشه ومؤاخيا له . فصرفه عن نيابة الكرك بالأمير بغا الأشرفيّ ، وأحضره إلى مصر في أثناء سنة إحدى عشرة وخلع عليه وصار من أكابر أمراء مصر . فلمّا توجّه السلطان إلى دمشق في سنة اثنتي عشرة وحجّ منها ، استخلفه بقلعة الجبل . فسار في مدّة غيبة السلطان سيرة جميلة [ و ] هابه الناس مهابة زائدة ، ومنع الأكابر من النخوة إلى أن قدم السلطان . ثم أخرجه على عسكر إلى الحجاز في سنة ثماني عشرة ، وكانت له حروب مع الشريف حميضة بن أبي نمي أمير مكّة والشريف ودّي أمير المدينة قد ذكرت في ترجمتي حميضة ومنصور بن جماز « 1 » . ثم أخرجه في آخر المحرّم سنة تسع عشرة إلى برقة ، ومعه من الأمراء بلبان الخاصّ تركيّ وبلبان الحسنيّ وسنقر المرزوقي وصمغار بن سنقر الأشقر ومنكلي الجمدار وغرلوا الجكندار ونوغاي ، وثلاثمائة فارس من أجناد الحلقة . وسبب ذلك أنّ قائدا وسليمان ، من أمراء عرب برقة ، وصفا للسلطان فرسين عند جعفر بن عمر وبالغا في مدحهما فكتب يطلبهما منه ، فأنكرهما . فأخذ قائد وسليمان يوحشان ما بينه وبين السلطان ويتّهمانه بالعصيان والامتناع من إعطاء زكاة غنمه ، وأنّه كثير [ 248 أ ] الغارات على عربان الطاعة ، ونحو هذا القول ، إلى أن جرّد أيتمش على من تقدّم ذكره . وأخرج معه قايدا وسليمان ، وكتب لعربان برقة بالركوب معه . فسار إلى الإسكندريّة ، وتوجّه منها بعد ما أحضر إليه سرّا من يخبر الطريق ليسير به على غير الجادّة حتى يطرق العرب بغتة . وكانت الجادّة مسافتها إليهم نحو الشهرين . فدلّه على طريق توصله في ثلاثة عشر يوما ، بعد ما شرط عليه أن يأخذ منه مائة دينار ويخلص له بعد عوده من السلطان إقطاعا ليقيم بالبحيرة فدفع إليه المائة الدينار والتزم بالإقطاع ، وأخذ يسير بالعسكر . فأنكر قائد وسليمان سلوك العسكر في غير الجادّة وأرادوا [ من ] الأمير أيتمش أن يرجع عن طريقه التي هو فيها [ 232 أ ] ويسلك الجادّة ، وخوّفوا عاقبتها . فلم يرجع إليها ومضى والعساكر تتبعه حتى أشرف على منازل جعفر بن عمر بعد ثلاثة عشر يوما ، وهم في غفلة لا علم لهم بالعسكر ، فبهتوا عند رؤية الخيل . ووقف أيتمش وبعث إليهم يدعوهم إلى الطاعة . فبعث جعفر إليه بأنّا في طاعة السلطان ، ونريد أن نعرف ما الذي أوجب مسيركم إلينا ؟ فأعادهم بأنّ معي مرسوم السلطان ، فليحضر جعفر ليسمع ما فيه . فواعدوه الغد ، فبات أيتمش ليلته على ظهر فرسه هو ومن معه حتى أصبح . وأتاه أخو جعفر وأكابر قومه . فأبى إلّا حضور جعفر . فامتنع من الحضور وقال : أبعث بالفرسين وغيرهما للسلطان ، وكان قايد وسليمان قد عرّفاه أنّ الغرض إرسال الفرسين وتكفّلا له برجوع العسكر ووافقاه أن يكونا معه يدا واحدة . فبعث يستنجد العربان فأتته طوائف طوائف ، فراب أيتمش توارد العرب شيئا بعد شيء . فبادر إلى لبس السلاح وألبس أصحابه ومنع العرب أن تركب معه ، واختار من الأجناد مائة وخمسين راميا قدّمهم أمامه ووصّاهم أن لا يسوقوا ولا

--> ( 1 ) ترجمة حميضة رقم 1311 ج 3 ، أما ترجمة منصور فمفقودة .